عبد الله بن أحمد النسفي
251
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 92 إلى 94 ] فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 ) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 93 ) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 ) 92 - فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ نلقيك بنجوة من الأرض ، فرماه الماء إلى الساحل كأنه ثور بِبَدَنِكَ في موضع الحال ، أي الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن ، أو ببدنك كاملا سويا لم ينقص منه شيء ولم يتغير ، أو عريانا لست إلّا بدنا من غير لباس ، أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها ، وقرأ أبو حنيفة رضي اللّه عنه بأبدانك ، وهو مثل قولهم هو بأجرامه ، أي ببدنك كلّه وافيا بأجزائه ، أو بدروعك ، لأنه ظاهر بينها لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً لمن وراءك من الناس علامة ، وهم بنو إسرائيل وكان في أنفسهم أنّ فرعون أعظم شأنا من أن يغرق ، وقيل أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدّقوه فألقاه اللّه على الساحل حتى عاينوه ، وقيل لمن خلفك لمن يأتي بعدك من القرون ، ومعنى كونه آية أن يظهر للناس عبوديته وأنّ ما كان يدّعيه من الربوبية محال وأنه مع ما كان عليه من عظم الملك آل أمره إلى ما ترون لعصيانه ربه فما الظنّ بغيره وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ . 93 - وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ منزلا صالحا مرضيا وهو مصر والشام وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا في دينهم حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي التوراة ، وهم اختلفوا في تأويلها ، كما اختلف أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم في تأويل الآيات من القرآن ، أو المراد العلم بمحمد ، واختلاف بني إسرائيل وهم أهل الكتاب اختلافهم في صفته أنه هو أم ليس به « 1 » بعد ما جاءهم العلم أنه هو إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يميز المحقّ من المبطل ويجزي كلّا جزاءه . 94 - فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لما قدّم ذكر بني إسرائيل وهم قراء الكتاب ووصفهم بأنّ العلم قد جاءهم لأنّ أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكتوب في التوراة والإنجيل وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، أراد أن
--> ( 1 ) في ( ز ) هو .